العقل السياسي العراقي

 

 

قالت لي رفيقة وهي تحدثني عن مأساة العراقيين في ظل إنعدام الأمن والنظام : -

 هل تدري إن من يتحكم في التعينات والوظائف العامة  وحتى المدارس هم الجماعة الاسلامية ، أعني [  الحركات والتنظيمات ]  فقلت وماذا يعني ذلك بالضبط ؟

 قالت  لكي تكون مواطناً معترف بك مواطناً صالحاً  لك بعض حقوقك الدستورية والقانونية  فلابد من ورقة  تزكيك لدى الدوائر والمؤسسات المعنية وعليك برجال الدين فأنهم أولى في التزكية والتطهير وكذا  من هذه المنظمات والحركات ،  كي تطهرك من كل ماضي وتسبغ عليك نعمائها التي تفردت به يوم دخل الامريكان بلادي وفتحوا باب الحرية التي كان يتربص بها هؤلاء الجماعة  الحرية التي أغتالوها على مرأى ومسمع الجميع . !

 

وهذا القول على علاته نذير شؤم للعراق الجديد الذي هللنا له جميعاً  وأيدناه دون تحفظ ، والقول بما هو هو  يعبر عن إشكالية قيمية وإخلاقية يعيشها العقل العراقي السياسي منذ مرحلة الحرب الايرانية وحتى هذه اللحظة  من حياته ، إشكالية تنم عن نقص في الوعي والأرادة والوطنية ،  وهي  تحمل في ثناياها كل  عقد الانعزال الطائفي والسياسي  والاجتماعي والثقافي ، وهي عقد  تصاحب عمل كل السياسيين العراقيين .

 حتى في الوقت الذي يمر العراق به من تشظي وتفكك وعدم إنتظام ، فالمعروف عن بعض الحركات الاسلامية ميلها للقول بانها صاحبة الساحة ولا منافس لها غير مجموعة من احزاب تعد في ثقافتهم كافرة أو عملية ، كما كان يسميها الاعلام الايراني – البعث العراقي الكافر – وإن أردت مزيد بيان فتذكر دائماً شكل الجلسات الخاصة التي تدق على فتاوى بعض القوم كالقول الرائج – الشيوعية كفر وإلحاد – وهذا يظهر حتى في الحوارات الهادئه والدردشات العامة .

 

إنه عقل تشكله القوى الحركية المسلمة وهي تنازع الغير الاحقية في تمثيل العراقيين في المجالس المحلية والبلدية والمجالس الوطنية ، ولعلنا لا نأتي بجديد حينما نذكر بسرقة قوائم الترشيح واستبدالها بلوائحهم الخاصة جرى ذلك في كل مناطق الجنوب والوسط وبغداد  يوم أرادوا توظيف ما يسمى بالمجلس الوطني الانتقالي  ، صاحب ذلك تهديد للمعارضين بالقتل والاختطاف .

عقل القوى الحركية الاسلامية يشتغل على سُلمين الأول متابعة الركب العام عبر شعارات التجديد وبناء العراق الجديد كي لا يخرجوا من المواقع التي حصلوا عليها ، والثاني الخلط بين الشعار والعمل أي هم مع الحكومة في ظاهر النهار وضدها في  أخره  ، وهي حال منبوذة في القرآن  كما هو معلوم  .

 

ومن هنا دخلوا كل إجهزة الشرطة وقوى الأمن والجيش في مخطط عُد بعناية خارج الحدود ، ولهذا إيضاً يرفضون غيرهم الانضمام إلى هذه الاجهزة الحكومية وهم ينافحون لكسب المزيد في الوزارات والمؤسسات الحكومية ، فلا تجد وزارة خالية منهم مستشارين

 

 

ووكلاء ومدراء عامين ، مستغلين جهود الحكومة وانشغالها في معالجة ظاهرة الارهاب والتصدي لها ، وهذا بعد خطأ حكومي إذ إن الارهاب ليس في حمل السلاح بل هو تجريد العراقي من ولائه وانتمائه لوطنه عبر هذه الاعمال كما كان يفعل صدام سابقاً .

 

إن اهتمام الحكومة بقضايا الارهاب المسلح لا يعفيها من المسؤلية في الحد من ظاهرة تقزيم المجتمع وبنائه حسب هوى ورغبة تلك القوى ، فالمعيار في العمل السياسي الديمقراطي ليس التحايل بل هو الشفافية والوضوح وتلك هي قيمة يجب التوكيد عليها في ظل المتغير الاجتماعي والسياسي .

كما لا يمكن بحال تطبيق مرحلة العمل المعارض على مرحلة العمل في وسط الجماهير ، وهنا يلزم احترام رغبات تلك الجماهير في صُنع مستقبلها دون ضغط أو إكراه ، كما يصار عليه اليوم في العراق من خلال عمل التنظيمات الاسلامية التي تزدري الحرية الشخصية للمرأة وتحاول فرض قيود على حركتها وتدخلها في الشأن السياسي والثقافي ، وعملها في الوسط العام إلآَّ  عبر قيود احترازية فرضوها سلفاً .

 

العقل السياسي العراقي كله يحتاج إلى وعي وطني للمراحل التي يجتازها العراق وليس النظر لتحقيق منافع شخصية حتماً ستؤول للزوال بعد نهاية حالة القلق واللاستقرار التي يصنعها أعداء العراق في الداخل والخارج ، من اجل هذا يلزم العقل العراقي السياسي ان يشعر بالمسؤولية الوطنية التي هي من تهب الشرعية لمن يُمثلها .

 

حامد علوان الكبيسي

16 – 11 – 2004